النويري
380
نهاية الأرب في فنون الأدب
ومن مباني الفرس إيوان كسرى زعم المسعودىّ أن سابور ذا الأكتاف بناه في نيف وعشرين سنة ، وطوله مائة ذراع في عرض خمسين ذراعا في ارتفاع مائة ذراع ، وطول كل شرفة منه خمسة عشر ذراعا . ولما ملك المسلمون المداين ، أحرق ستر هذا الإيوان فأخرجوا منه مائة ألف دينار ذهبا . ولما بنى المنصور بغداد ، أحب أن ينقضه ويبتيها به ، فاستشار خالد بن برمك في ذلك فنهاه ، وقال : « هو آية للإسلام ، ومن رآه علم أن الذي بناه لا يزيل ملكه إلا نبىّ والمؤونة على نقضه أكثر من الارتفاق به » . فقال له : « أبيت إلا ميلا إلى العجم » فهدمت منه ثلمة . فبلغت النفقة عليها مالا كثيرا ، فأمسك المنصور عن هدمه ، فقال له خالد : « أنا الآن ، يا أمير المؤمنين ، أشير بهدمه لئلا يتحدّث الناس بعجزك عن هدم ما بناه غيرك » فلم يفعل . وحكى مثل هذه القصة أنها وقعت ليحيى بن خالد مع الرشيد ، وهو إذ ذاك في اعتقاله . وكان الرشيد بلغه أن تحته كنزا فأراد هدمه واستشار يحيى فأشار عليه بمثل هذا . ومن عجيب ما يحكى من تقلب الأحوال أن بعض شرفاته هدمت وجعلت في أساس سور بغداد . وقال ابن الأثير في تاريخه إن الإيوان باق إلى الآن . ( وكان يوم ذاك في سنة خمس وعشرين وستمائة ) ، واللَّه أعلم .